أبي منصور الماتريدي

615

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الشهوة أو يستحسنه البصر . وحب الله من المؤمنين من هذين الوجهين فاسد ، بل هو من الوجوه التي ذكرنا ، وقد كان حب الهيبة والرغبة ؛ إذ علموا النعم كلها من الله تعالى ، وعلموا أن السلطان والعزة لله ولا أحد ينال شيئا من ذلك إلا بالله ، فأوجب ما عنده من النعم الرغبة ، وما له من السلطان الهيبة . فذلك طريق حب المؤمنين مع ما ظهر من أياديه التي لا تحصى وأفضاله التي لا تحاط ، والعلم بهما موجبا تعظيم الأمور والمبادرة بالقيام بها مع الأدلة المظهرة تعاليه عن تقدير العقول وتصوير الأوهام . فيكون حبه في الحقيقة في تعظيم أموره ، وحسن صحبة نعمه ، ومعرفة حقوقه ، لا في توهم ذاته ، وإشعار القلب ما يعقله ليرجع المحبة إلى ذلك ، بل هو فيما ذكرت ؛ ولذلك أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ آل عمران : 31 ] ، وهو أن من أحب آخر محبة الجلال والرفعة عظم رسوله وانقاد لما يدعوه إليه وإن كان في ذلك هلاكه ، وتعظيما لأمره وتبجيلا ، فكيف فيما نجاته وفوزه في الدارين . والله الموفق . وقوله : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ . قوله : يَرَى قرئ بالياء والتاء جميعا « 1 » . ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : ولو ترى الذين ظلموا يا محمد : شهدوا لك : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً . ومن قرأ بالياء ، يقول : ولو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذا رأوا العذاب يعلمون أن القوة لله جميعا . [ ويحتمل : لو علم الذين ظلموا إذا علموا عذاب الآخرة يعلمون أن القوة لله جميعا ] « 2 » ويحتمل : المراد من قوله : يَرَى ، أي : يدخل ، كقوله : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [ النازعات : 36 ] ، أي لمن يدخلها ويصليها . وقوله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ . الَّذِينَ اتُّبِعُوا يعنى : الرؤساء ، مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا يعنى : الأتباع والسفلة ، تبرأ بعضهم من بعض العبادة من الأتباع من القادة ، وهو كقوله : قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا

--> ( 1 ) ينظر : اللباب في علوم الكتاب ( 3 / 139 ، 140 ) ، المحرر الوجيز ( 1 / 235 ) ، والبحر المحيط ( 1 / 645 ) ، والدر المصون ( 1 / 428 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط .